مرض خطير مزمن فهل من علاج ؟

الكاتب: د.بسّام الشخريت*

اسمحوا لي أن اطرح عليكم هذه التساؤلات التي ظلت تدور في ذهني منذ زمن، أيهما أهم في رأيكم كقرّاء وقارئات الشهادة أم الثقافة والفكرة والمضمون؟ وهل امتلاك شهادة جامعية أو درجة علمية معينة يعطي صاحبها ثقافة أكبر أو معرفة أوسع, تجعله يتفوق على من لا يمتلك ذات الشهادة لسبب أو لآخر وعلى الرغم من ذلك, إلا أنه يمتلك فكرا مستنيرا وتشغله قضية مجتمعه وأمته, ويحاول علي الرغم من كل القيود التي تحيط به وتكبله, أن يطلق صرخاته علها توقظ أمة استعذبت أن تعيش البيات الشتوي في كل الفصول ؟ هل الشهادة دليل تحضر ومدنية وثقافة ؟

لعل بعضكم يستغرب من طرح هذه التساؤلات ويراها لا تستحق أن أضيع وقت البعض منكم, ولكنها في رأيي تطرح قضية غاية في الخطورة, قد تكون أحد أسباب العلل والأمراض التي نعيش فيها, فنحن كما جاء في أحد الأفلام المصرية بلاد شهادات نعشق ونقدر ونعطي الأولوية لكل من يحمل الشهادات, والدرجات العلمية ونراه الأحق بان يتبع وان نستمع له ونتناسى جميعا أن كثيرا يحملون أعلي الدرجات العلمية ومع ذلك وبعد أن يحصلوا عليها, لا يتذكروا شيئا مما تعلموا!، نتناسى جميعا أن العملية التعليمية في أوطاننا العربية تقوم على الحشو والحفظ والتلقين, وترفض أن تقوم على البحث العلمي والفهم وإثارة التلميذ من أجل أن يتعلم لأجل العلم،نحن ومنذ فترة طويلة نتعلم كي نحسن أوضاعنا وقلة قليلة تدرس وتتعلم من أجل العلم ذاته، ولهذا نصدم عند التعامل مع أصحاب الفخامة والسعادة أصحاب الألقاب العلمية.

إذا ما هو الأساس في الاهتمام بالفكرة أو الرأي الذي يطرح, هل هو الرأي ذاته أم درجة صاحب الشهادة، هل تستطيع الشهادة العلمية أن تكسب آراء قائلها مصداقية معينة إلى الأبد, أم أننا ننبهر بها لفترة ثم سرعان ما نكتشف التناقض بين الذي يطرحها وبين مضمون فكرته, فننصرف عنه ونحن غير آسفين سوى على الوقت الذي أضعناه في قراءة ما يكتب, في رأيي المتواضع أنني كقارئ وكانسان بالدرجة الأولى لن أهتم مطلقا بدرجة الشخص الذي يخاطبني مطلقا, ما لم تعجبني فكرته وآرائه التي تنبع من ثقافته التي تؤثر في طريقة تفكيره, ولا تحتاج إلى شهادات أو مدارس وجامعات.

صدقوني العلم مهما بلغت درجته إن لم يصاحبه تواضع العلماء, ورغبتهم الدائمة في المعرفة والاستفادة من الآخر وآرائه فهو لا شيء, وسرعان ما سيزول ولا يبقي سوى اللقب وليته يفيد، العلم والثقافة لا يقتصران على شهادة جامعية أو درجه علمية, ولهذا فاحترامي لكل من لم يستطع لسبب أو لآخر أن يكمل تعليمه, ومع ذلك سلّح نفسه بالمعرفة والثقافة وانطلق إلى مصادر المعرفة ينهل منها ويفيد غيره ويحاول أن يغيّر مجتمعه ويفيد غيره من علمه، وتحيّة لكل من استطاع أن يستمع إلى الرأي الآخر مهما كان مخالفا له وقرأه واستوعبه واستطاع أن يستخلص منه معلومة أو فكرة تضيف إلى رصيده الإنساني وتثريه .

طالب العلم هو ذلك الباحث الدائم المنكب على بحثه لا يشغله عن هدفه شاغل ولا يصرفه عن غايته صارف، همّه الحصول على المعلومات من أماكن تحصيلها, في بر أو بحر يركب الصعاب ويبذل ما يستطيع وأحياناً ما لا يستطيع, ليصل إلى معلومة تاقت نفسه للحصول عليها، تجده يحوم كالنحلة حول حلقات العلم ومجالسه يطرق جميع الأبواب المباحة للحصول على مبتغاه، كعاشق يؤرقه بعد حبيبه عنه فتجده ساهراً يناجي صفحات الكتب مقلباً فكره وبصره فيها، باحثاً منقباً في كل ما يقع عليه بصره ليروي ظمأ نفسه من رحيق العلم الطاهر، فالحصول على معلومة طال البحث عنها أشبه ما تكون بمتعة النظر إلى وجه الحبيب بعد طول غياب، وهيَ عند العارفين أكبر من ذلك وأشد متعة، فتهفو إليها النفس كما تهفو لعناقه وضمه.

وطالب العلم يستمرئ المحن بنفس يملئها الشوق إلى ما سيلاقي من لطائف العلوم ومتعه، فللعلم لطائف لا تماثلها لطائف، ولطلب العلم متعة لا توازيها متعة، متعة لا تفضي إلى معصية ولا ريبة، متعة ظاهرها الرغبة في الوصول وباطنها رهبة من عدم الحصول، العفاف منهجها واللطف مدرجها، طالبها لا يستحي من السؤال عنها، و لا يلام بالاستغراق فيها، وطالب العلم كالغواص الباحث عن الكنوز في بحر عميق، وهو كلما تعمق في أحشائه وظن أنه وصل، ظهر له أن ما وصل إليه إنما هي دلائل وإشارات لما هو في العمق السحيق، وعلم أن ما بين يديه سوى قشور لتلك الجواهر اللامعة من بعيد، وتبين له ضآلة ما وصل إليه مقارنة بعمق ذلك البحر، ولذاك الشعور لذة تزيد في نفسه الرغبة في التعمق أكثر وبلوغ ما لم يبلغه سابقاً، شغف ما هو بالمذل ونشوة ليس بها ما يخل، يقوده شوقه العاقل وتفكيره الذاكر حتى يغرق في ذلك البحر اللجي الزاخر، بكامل إرادته ورغبته ليذوب لذةً وينتفض في أعماق أعماقه نشوةً، ما هي باللذة ولا النشوة التي تعرفون، فالعلم بحر غريقه لا يموت ولا يفنى، وعاشقه لذته ليست بمنكرة ولا نشوته مستهجنة.

وطالب العلم سكوته تفكر وتدبر، وحديثه كالمصابيح لظلام العقول منير، تعلوه الهيبة وتحفه الملائكة في غدوه مراحه وتدعو له كل المخلوقات حتى الحيتان في البحار, كما أخبر بذلك حبيبنا صلى الله عليه وسلم ، وكل أمره إلى خير، إذا جُلس إليه لم يُمل وإذا تكلم فحديثه منساب سهل، أدبه جم ونفعه أعم ، يصغي لمن يحدثه باهتمام وانتباه وكأنما هو تلميذ في مدرسة وإن كان المتحدث أقل منه مرتبة ورتبة، وإذا سئل أوجز الجواب دون خلل، وإن تحدث أفاض دون ملل، يرسل النظر في أنحاء الدنيا باحثاً عن جديد يتعلمه يتدبر في حسن خلق الله ودقة صنعته.

والعلم سلاح والشهادة هي رخصة استخدام ذلك السلاح ، وطالب الشهادة دون علم كمن يطلب حيازة الرخصة دون معرفة بفنون استخدام ذلك السلاح، صحيح أن هذا الزمان زمن الشهادات ولكن ليتها تكون بحقها وليس كما هو عليه الحال، حتى أصبحت ظاهرة تفشت كالمرض في جسد المجتمع نتيجة لما تربت عليه الأجيال من أن الشهادة هي التي تجعل من الفتى رجلاً تتفتح له جميع الأبواب المغلقة، ومن الفتاة مطلباً وحلماً لراغبي الزواج، حتى أصبح التلاميذ والطلبة إنما يحفظون دروسهم فقط ليجتازوا الامتحان للحصول على الشهادة، وليس طلباً للعلم أو رغبة فيه، فيأتيك أحدهم وقد حمل شهادته بيده ويطالب بأعلى المراتب الوظيفية وأحسنها، فالنظام يجيز له ذلك طالما هو حاصل على الشهادة، وتفاجأ بعد قليل أنه لا يحسن شيئاً حتى أنه يخطئ في كتابة اسمه!، فهل سنفيق من لوثة التنطع بالشهادات ونسعى لنيل العلم لنرقى ونرتقي؟ ، ولنستبدل منهج التلقين في جميع مراحل التعليم لدينا بمنهج التقنين والبحث والفهم والإدراك لنبني جيلا سلاحه العلم، لا الشهادات فقط ، أرجو ذلك صادقاً جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع مجيب الدعاء وصلى الله على سيّد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .

Assistant Prof

Department of Radiology
Faculty of applied medical Sciences
King Abdulaziz University
Jeddah – Saudi Arabia
Exit mobile version